الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
437
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وفي أخرى له أيضا : كان يصوم شعبان كله « 1 » . قال الحافظ ابن حجر : أي يصوم معظمه . ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال : جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول : صام الشهر كله . ويقال : قام فلان ليلته أجمع ، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره ، قال الترمذي : كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك ، وحاصله : أن الرواية الأولى مفسرة للثانية ومخصصة لها ، وأن المراد ب « الكل » الأكثر ، وهو مجاز قليل الاستعمال . واستبعده الطيبي وقال : يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى ، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان . وقال ابن المنير : إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة ، والمراد الأكثر ، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول ، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان ، وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله . انتهى . ولا يخفى تكلفه ، والأول لمحمول على المبالغة هو الصواب . واختلف في الحكمة في إكثاره - صلى اللّه عليه وسلم - من صوم شعبان ، فقيل : كان يشتغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره ، فتجتمع فيقضيها في شعبان . أشار إلى ذلك ابن بطال ، وفيه حديث أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان . وابن أبي ليلى ضعيف ، وقيل كان يضع الحديث . وقيل : كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان ، وورد فيه حديث أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال : سئل النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : أي الصوم أفضل بعد رمضان قال : « شعبان لتعظيم رمضان » قال الترمذي : حديث غريب ، وصدقة عندهم ليس بذلك القوى .
--> ( 1 ) تقدم في الذي قبله .